الغزالي

6

الأربعين في اصول الدين

تعالى عن أن يحويه مكان ، كما تقدس عن أن يحدّه زمان ؛ بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان ، وهو الآن على ما عليه كان . وأنه باين بصفاته من خلقه ليس في ذاته سواه ، ولا في سواه ذاته . وأنه مقدس عن التغيير والانتقال ، لا تحله الحوادث ، ولا تعتريه العوارض ، بل لا يزال في نعوت جلاله منزها عن الزوال ، وفي صفات كماله مستغنيا عن زيادة الاستكمال . وأنه في ذاته معلوم الوجود بالعقول ، مرئيّ الذات بالأبصار ، نعمة منه ولطفا بالأبرار في دار القرار ، وإتماما للنعيم بالنظر إلى وجهه الكريم . الأصل الثالث في القدرة : وأنه حيّ قادر جبار قاهر ، لا يعتريه قصور ولا عجز ، ولا تأخذه سنة ولا نوم ، ولا يعارضه فناء ولا موت . وأنه ذو الملك والملكوت ، والعزة والجبروت ، له القدرة والسلطان والقهر ، والخلق والأمر ، والسماوات مطويات بيمينه ، والخلائق مقهورون في قبضته . وأنه المتفرد بالخلق والاختراع ، المتوحد بالإيجاد والإبداع ؛ خلق الخلق وأعمالهم ، وقدّر أرزاقهم وآجالهم ، لا يشذ عن قبضته مقدور ، ولا يعزب عن قدرته تصاريف الأمور ، لا تحصى مقدوراته ولا تتناهى معلوماته . الأصل الرابع في العلم : وأنه عالم بجميع المعلومات ، محيط بما يجري في تخوم الأرضين إلى أعلى السماوات ، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، بل يعلم دبيب النملة السوداء ، على الصخرة الصماء ، في الليلة الظلماء ، ويدرك حركة الذر في جوّ الهواء ، ويعلم السر وأخفى ، ويطلع على هواجس الضمائر وحركات الخواطر وخفيات السرائر ، بعلم قديم أزلي ، لم يزل موصوفا به في أزل الآزال ، لا يعلم متجدد حاصل في ذاته بالتحوّل والانتقال . الأصل الخامس في الإرادة : وأنه مريد للكائنات ، مدبر للحادثات ، فلا يجرى في الملك والملكوت قليل ولا كثير ، ولا صغير ولا كبير ، خير أو شر ، نفع أو ضر ، إيمان أو كفر ، عرفان أو نكر ، فوز أو خسر ، زيادة أو نقصان ، طاعة أو عصيان ، إلا بقضائه وقدره ، وحكمه ومشيئته ؛ فما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن . لا يخرج عن مشيئته لفتة ناظر ولا فلتة خاطر ؛ بل هو المبدئ المعيد ، الفعّال لما يريد ، لا رادّ لحكمه ، ولا معقب لقضائه ، ولا مهرب لعبد عن